الجصاص

265

أحكام القرآن

مطلب : في إبطال قول الرافضة يشترط أن يكون الامام معصوما واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول الرافضة في الإمامة بقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، قال : فليس يخلو أولو الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي يدعونه ، فإن كان المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام ، والفقهاء والأمراء يجوز عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا بطاعتهم ، وهذا يبطل أصل الإمامة فإن شرط الإمام عندهم أن يكون معصوما لا يجوز عليه الغلط والخطأ والتبديل والتغيير ، ولا يجوز أن يكون المراد الإمام لأنه قال في نسق الخطاب : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) ، فلو كان هناك إمام مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف والتنازع ، فلما أمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دل ذلك على بطلان قولهم في الإمامة ، ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال : فردوه إلى الإمام ، لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل الكتاب والسنة ، فلما أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض الطاعة في أحكام الحوادث المتنازع فيها ، وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها إلى نظائرها من الكتاب والسنة . وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى : ( وأولي الأمر منكم ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا تأويل فاسد لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي طالب رجل واحد . وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أمراء وقد كان على المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية ، وكذلك حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم ما لم تكن معصية . مطلب : في بيان المراد من قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) وقوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) روى عن مجاهد وقتادة وميمون بن مهران والسدي : " إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم " . قال أبو بكر : وذلك عموم في وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم . والرد إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين ، أحدهما : إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ومعناه ، والثاني : الرد إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره به من طريق القياس والنظائر ، وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعا ، فوجب إذا تنازعنا في شئ رده إلى نص